بث تجريبي

لقاء "السيسي - الحكيم" .. 5 رسائل تتجاوز المستوى الثنائي للعلاقات المصرية العراقية

تأتي زيارة رئيس تيار الحكمة الوطني العراقي عمار الحكيم إلى القاهرة ولقائه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في توقيت إقليمي شديد الحساسية، تتزايد فيه التوترات وتتداخل الأزمات بصورة تجعل أي تصعيد جديد قابلًا للامتداد إلى أكثر من ساحة عربية.

ومن هنا تكتسب مباحثات الحكيم مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أهمية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، لتلامس مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة، ودور الدول العربية في حماية مصالحها وسط بيئة إقليمية مضطربة.

1- الرؤية المصرية

اللافت في المباحثات أن الرؤية المصرية تجاه العراق بدت مرتبطة بشكل مباشر بمفهوم الدولة الوطنية وقدرتها على حماية سيادتها وقرارها. فالتأكيد على وحدة الأراضي العراقية، ودعم مؤسسات الدولة، ومحاربة الفساد، وحصر السلاح، لا يتعلق فقط بالشأن الداخلي العراقي، وإنما يرتبط أيضًا بقدرة بغداد على تجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية أو تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات بين أطراف مختلفة.

وهنا تبدو أهمية الحديث عن حصر السلاح تحديدًا، باعتباره جزءًا من بناء دولة قادرة على امتلاك قرارها الأمني والعسكري. فكلما ازدادت قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الملفات الأمنية، أصبحت قدرة العراق على حماية أراضيه ومصالحه والنأي بنفسه عن الصراعات الإقليمية أكبر. ولذلك فإن دعم مصر لهذه التوجهات يمكن فهمه باعتباره دعمًا لاستقرار العراق ووحدته، وليس تدخلًا في تفاصيل المشهد السياسي الداخلي.

2- قنوات اتصال مفتوحة

كما أن استقبال عمار الحكيم، رغم كونه رئيسًا لتيار سياسي وليس مسؤولًا حكوميًا، يعكس طبيعة المقاربة المصرية للعراق، القائمة على التواصل مع مختلف القوى السياسية والوطنية، إلى جانب مؤسسات الدولة.

فالقاهرة تبدو حريصة على أن تظل لها قنوات مفتوحة مع مكونات المشهد العراقي المختلفة، خصوصًا في مرحلة تحتاج فيها المنطقة إلى توسيع مساحات الحوار وتقليل التباينات بدلًا من تعميقها.

3- استقرار العراق ضرورة

ومن زاوية أخرى، فإن تشاور الحكيم مع الرئيس السيسي بشأن خفض التصعيد والنأي بالعراق عن التداعيات السلبية للتوترات الإقليمية يحمل دلالة واضحة على حجم القلق من انعكاس الأزمات المحيطة على الداخل العراقي. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته المتشابكة مع مختلف أطراف المنطقة، يظل من أكثر الدول العربية تأثرًا بأي تحول كبير في موازين الصراع الإقليمي.

وتتعامل مصر مع هذه المسألة من منظور أوسع؛ فاستقرار العراق لا يمثل مصلحة عراقية فقط، وإنما مصلحة عربية أيضًا. ولذلك فإن الحديث عن دور عراقي بنّاء في تعزيز الأمن الجماعي للدول العربية يعكس رغبة القاهرة في رؤية بغداد دولة مستقرة وقادرة على ممارسة دورها العربي والإقليمي، بعيدًا عن الاستقطابات التي قد تدفعها إلى أن تصبح طرفًا في صراعات لا تخدم مصالحها الوطنية.

4- القضية الفلسطينية

كما أن انتقال المباحثات إلى القضية الفلسطينية وقطاع غزة يؤكد أن الملفات العربية لم تعد منفصلة عن بعضها البعض. فالتوترات في المنطقة، ومستقبل الأمن العربي، والأزمة الفلسطينية، كلها ملفات تتقاطع بصورة مباشرة، ما يجعل أي مقاربة للاستقرار الإقليمي بحاجة إلى التعامل معها باعتبارها أجزاء من مشهد واحد.

وفي هذا السياق، فإن الحضور المصري في الملفات الإقليمية لا يرتبط فقط بحجم الدولة المصرية أو موقعها الجغرافي، وإنما أيضًا بقدرتها على التواصل مع أطراف عربية وإقليمية متعددة، وطرح نفسها كمساحة للحوار وخفض التصعيد.

5- القاهرة بالنسبة للحكيم

ومن هنا يمكن فهم أهمية توجه الحكيم إلى القاهرة في هذه المرحلة، باعتبارها محطة للتشاور حول كيفية حماية العراق من تداعيات الصراعات المحيطة به، وفي الوقت نفسه بحث القضايا التي تمس الأمن العربي بصورة عامة.

في النهاية، تحمل زيارة عمار الحكيم إلى القاهرة رسائل تتجاوز تفاصيل اللقاء نفسه. فالمعادلة التي تطرحها الرؤية المصرية تقوم على أن حماية الدول العربية من تداعيات الصراعات الإقليمية تبدأ من تقوية مؤسساتها الوطنية، واحترام سيادتها، والحفاظ على وحدة أراضيها، وتعزيز قدرتها على اتخاذ قراراتها بعيدًا عن الاستقطاب الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، فإن دعم استقرار العراق لا ينفصل عن حماية استقرار المنطقة العربية، كما أن التعامل مع القضية الفلسطينية لا يمكن فصله عن الأمن الإقليمي. وبين هذه الملفات تبدو القاهرة حريصة على الحفاظ على مساحة عربية للحوار، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى خفض التصعيد أكثر من حاجتها إلى توسيع دوائر الصراع.

قد يهمك