تتحول برودة الشتاء في مناطق النزاعات إلى عامل ضغط إضافي لا يقل أثرًا عن الأسلحة التقليدية، إذ أثبت التاريخ العسكري أن الطقس القاسي قادر على تغيير مسارات الحروب، من حملات نابليون إلى الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى النزاعين في غزة وأوكرانيا.
لطالما عطّلت الظروف الشتوية خطوط الإمداد، وجمّدت الجنود والمعدات، ومنحت ميزة نسبية للقوات المحلية الأكثر استعدادًا للطقس القاسي، بينما يُشكل البرد القارس اليوم تحديًا إضافيًا للقوات المهاجمة في الحرب الروسية الأوكرانية.
تشهد غزة خلال شتاء يناير 2026 أزمة إنسانية حادة، حيث تُدمّر العواصف الخيام المؤقتة، وتؤدي إلى حالات وفاة بسبب انخفاض حرارة الجسم، وتفاقم معاناة نحو 1.5 مليون نازح.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 92% من المساكن تضررت أو دُمّرت، ما يترك مئات الآلاف دون مأوى ملائم، في وقت تقيد فيه إسرائيل دخول مواد الاستخدام المزدوج، وسط مخاوف من استغلالها عسكريًا، الأمر الذي يحد من وصول الخيام والمساكن المؤقتة والمساعدات الأساسية.
كما تسببت الفيضانات الناتجة عن العواصف في غمر المخيمات، وانتشار الأمراض في ظروف غير صحية مع تراكم النفايات، فيما تؤكد وكالات الإغاثة أن أكثر من مليون شخص ما زالوا بحاجة ماسة إلى مأوى، رغم السماح بنصب نحو 380 ألف خيمة، بينما تعرقل القيود المفروضة على عشرات المنظمات ونقص الوقود فاعلية الاستجابة الإنسانية.
في أوروبا، تواجه أوكرانيا أزمة شتوية موازية، حيث تكافح السلطات لإعادة التيار الكهربائي والتدفئة إلى عشرات الآلاف من السكان بعد موجة هجمات روسية مكثفة استهدفت البنية التحتية للطاقة.
وبحسب السلطات المحلية، عادت التدفئة إلى نحو 85% من مباني كييف، لكن أكثر من ألف مبنى لا يزال دون تدفئة، مع انخفاض درجات الحرارة إلى -10 درجات مئوية نهارًا. وتواصل روسيا استهداف منشآت الطاقة الحرارية، ما يزيد من تعقيد الوضع في ظل الطقس القاسي، وفق تقارير إعلامية دولية.
في شتاء 1812، واجه جيش نابليون، الذي تجاوز عدده 600 ألف جندي، درجات حرارة وصلت إلى -30 فهرنهايت أثناء انسحابه من موسكو، ولم ينجُ سوى نحو 40 ألفًا، في واحدة من أكثر الكوارث العسكرية شهرة في التاريخ.
وفي الحرب العالمية الثانية، أوقف الشتاء القارس التقدم الألماني نحو موسكو عام 1941 عندما تجمدت الدبابات والأسلحة ومواد التشحيم عند درجات حرارة قاربت -40 فهرنهايت، بينما استغل الفنلنديون البرد القارس خلال حرب الشتاء عام 1939 لتعطيل القوات السوفيتية.
كما لعب الطقس دورًا حاسمًا في معركة الثغرة عام 1944، حين أدى الضباب إلى تعطيل سلاح الجو للحلفاء مؤقتًا قبل أن يسمح صفاء السماء بشن ضربات جوية مدمرة على القوات الألمانية.