بث تجريبي

انتخابات الكونجرس والحرب على إيران.. هل تغيّر نتائج الانتخابات حسابات ترامب العسكرية؟

تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال تغير موازين السيطرة داخل الكونجرس الأمريكي عقب انتخابات التجديد النصفي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الرئيس دونالد ترامب سيفقد قدرته على تحديد مسار الحرب مع إيران، إذ تظل القرارات العسكرية الرئيسية في يد البيت الأبيض.

وتعيد التطورات الحالية إلى الأذهان تجربة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن خلال حرب العراق، عندما قرر في يناير/كانون الثاني 2007 إرسال عشرات الآلاف من الجنود الإضافيين إلى العراق، رغم أن القرار كان من بين الأقل شعبية خلال فترة رئاسته.

وجاء القرار بعدما حقق الديمقراطيون فوزًا كبيرًا في مجلسي الكونغرس خلال انتخابات عام 2006، وسط معارضة شعبية واسعة للحرب. ووصف بوش النتيجة بأنها «هزيمة ساحقة»، لكن الرسالة التي وجهها الناخبون لم تدفعه إلى تغيير مساره العسكري.

تجربة بوش تكشف حدود تأثير الكونجرس 

خلال الأشهر التالية، أقال بوش وزير دفاعه، وعيّن قادة عسكريين وسفيرًا جديدًا لدى العراق، كما تبنى استراتيجية عُرفت باسم «زيادة القوات»، بهدف تعزيز الوجود العسكري الأمريكي. وأسهمت هذه الاستراتيجية في تراجع ملحوظ لأعمال العنف وتحقيق قدر من الاستقرار في البلاد.

في المقابل، حاول الكونجرس وقف الاستراتيجية من خلال تحديد مواعيد زمنية لسحب القوات الأمريكية، والعمل على قطع التمويل عنها، لكن بوش استخدم حق النقض «الفيتو» ضد هذه الإجراءات، ولم يتمكن المشرعون من حشد الأصوات اللازمة لتجاوز قراره.

وتوضح هذه التجربة أن تغير موازين القوى السياسية في واشنطن لا يعني بالضرورة انتقال السيطرة على العمليات العسكرية إلى الكونجرس، الذي لا يمثل جزءًا من التسلسل القيادي للقوات المسلحة؛ إذ يظل الرئيس، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، صاحب القرار الأساسي في تحديد مسار الحرب وإدارتها.

وفي تحليل نشرته شبكة «سي إن إن» الأمريكية، أشار بريت ماكغورك، المسؤول السابق في مجال الأمن القومي خلال إدارات أمريكية متعددة، إلى أن إيران تراهن على انتخابات التجديد النصفي المقررة الشهر المقبل باعتبارها عاملًا قد يؤثر في مستقبل الحرب مع الولايات المتحدة.

«هوس» إيراني بانتخابات التجديد النصفي

بحسب صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، تصعّد طهران هجماتها على السفن التجارية في مضيق هرمز بهدف رفع أسعار الطاقة، والضغط على المستهلكين الأمريكيين، وإضعاف الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري قبل الانتخابات.

ووصف دبلوماسي عربي اهتمام إيران بالانتخابات الأمريكية بأنه «هوس»، مشيرًا إلى أن التلفزيون الرسمي الإيراني يتابع نسب التأييد التي يحصل عليها ترامب، ويروج لتوقعات بأن خسارة الجمهوريين مقاعد في الانتخابات ستقيد الخيارات العسكرية الأمريكية وتدفع واشنطن إلى تقديم تنازلات لطهران.

لكن إضعاف ترامب سياسيًا لا يعني بالضرورة قدرته على تغيير استراتيجيته العسكرية. فعلى الرغم من امتلاك الكونجرس صلاحيات دستورية تتعلق بالحرب والسلم، من بينها التحكم في الإنفاق العسكري، فإن استخدام هذه الصلاحيات لإجبار الرئيس على تغيير مسار العمليات يظل أمرًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا.

ويستطيع الرئيس استخدام حق النقض ضد التشريعات التي تستهدف تقييد العمليات العسكرية، ولا يمكن للكونغرس تجاوز هذا الاعتراض إلا بأغلبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ. وحتى في حال تحقيق الديمقراطيين فوزًا كبيرًا، فمن غير المرجح أن يمتلكوا العدد الكافي من الأصوات لتحقيق ذلك.

لماذا يصعب على الكونجرس وقف الحرب؟

يواجه المشرعون الأمريكيون أيضًا عائقًا تاريخيًا يتمثل في ترددهم في قطع التمويل عن القوات الأمريكية الموجودة بالفعل في مناطق تشهد مخاطر عسكرية.

ولا تقتصر هذه السابقة على تجربة بوش في العراق، بل ظهرت كذلك خلال حرب فيتنام في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1972، وفي العمليات التي نفذها حلف شمال الأطلسي «الناتو» في البلقان خلال عهد بيل كلينتون عام 1999، وكذلك في العمليات العسكرية الموسعة التي أطلقها باراك أوباما في ليبيا عام 2011.

ومن شأن سيطرة الديمقراطيين على أغلبية الكونجرس أن تزيد الضغوط السياسية على ترامب، من خلال التحقيقات وجلسات الاستماع، إلى جانب محاولات محتملة لتقييد العمليات العسكرية.

ومع ذلك، سيظل ترامب القائد الأعلى للقوات المسلحة لمدة عامين آخرين، ما يعني أن القرارات الأساسية المتعلقة بإيران ستبقى إلى حد كبير في يد البيت الأبيض، حتى إذا تغيرت موازين القوى داخل الكونجرس.

وبناءً على هذه المعطيات، تشير التجارب السابقة إلى أن ترامب سيحتفظ بهامش واسع نسبيًا لاتخاذ القرارات بشأن إيران، وهو ما يترك أمامه ثلاثة خيارات رئيسية.

الخيار الأول: التراجع والتوصل إلى تسوية

يتمثل الخيار الأول في إعلان ترامب تحقيق الأهداف العسكرية الرئيسية، ثم تقليص العمليات وقبول تسوية مع إيران، حتى لو جاءت بتكلفة سياسية أو استراتيجية، مقابل استعادة حركة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز.

وقد يحقق هذا المسار مكاسب سياسية واقتصادية على المدى القريب، خصوصًا إذا أدى إلى انخفاض أسعار الطاقة وتخفيف الضغوط الاقتصادية على الأمريكيين.

وإذا كان ترامب يعتزم التراجع عن المواجهة، فإن إجراء ذلك قبل انتخابات التجديد النصفي قد يكون أكثر فائدة له سياسيًا. لكن استمرار إدارته في فرض الحصار رغم تكلفته السياسية يجعل اتخاذ قرار مفاجئ بالتراجع بعد الانتخابات أمرًا مستبعدًا، وفقًا للتحليل.

الخيار الثاني: مواصلة الضغط والحصار مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا

يقوم الخيار الثاني على استمرار الاستراتيجية الحالية، من خلال مواصلة حصار الموانئ الإيرانية، مع تسهيل عبور السفن التجارية عبر مضيق هرمز.

ووفقًا لتحليل «سي إن إن»، لم تعد إيران قادرة على إغلاق المضيق، لكنها لا تزال تهدد السفن والبنية التحتية في المنطقة، وتفرض مخاطر على مستخدمي هذا الممر البحري الحيوي.

وتراهن واشنطن على أن الضغط الاقتصادي الناجم عن الحصار سيدفع طهران قريبًا إلى تقديم تنازلات خلال المفاوضات، بما في ذلك ما يتعلق ببرنامجها النووي.

لكن استمرار المواجهة يعكس اعتقاد كل طرف بأن الوقت يعمل لمصلحته؛ ففي حين تراهن الولايات المتحدة على تأثير الحصار في الاقتصاد الإيراني، تواصل طهران الضغط عبر الهجمات والتهديدات الإقليمية.

وقد يسعى ترامب إلى كسر حالة الجمود من خلال الرد بصورة أكثر قوة على الهجمات الإيرانية، واستهداف البنية التحتية العسكرية التي تدعمها.

الخيار الثالث: التصعيد العسكري والحسم

أما الخيار الثالث، فيتمثل في اختيار ترامب التصعيد العسكري، انطلاقًا من اعتبار إيران التحدي الأبرز لسياسته الخارجية خلال ولايته الثانية، ورغبته في استغلال الفترة المتبقية من رئاسته لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.

وقد يعني هذا الخيار توسيع نطاق الحملة العسكرية بالتعاون مع إسرائيل، لتشمل إيران وحلفاءها الإقليميين، بما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر اتساعًا من المواجهة.

وفي المقابل، يرى بريت ماكغورك أن الخيار الثاني هو الأنسب لإدارة ترامب، من خلال الإبقاء على الضغوط الاقتصادية المفروضة على إيران، والرد بقوة أكبر على هجماتها العسكرية، مع الحفاظ على مسار تفاوضي يتيح التوصل إلى تسوية.

وشدد ماكغورك على ضرورة أن تستهدف الاستراتيجية الأمريكية تحقيق نتيجة مستدامة على المستوى الاستراتيجي، مع ضمان توافق الأدوات والوسائل المستخدمة مع الأهداف المراد الوصول إليها.

وبذلك، فإن نتائج انتخابات التجديد النصفي قد تزيد الضغوط السياسية على ترامب، لكنها لا تعني بالضرورة أن الكونغرس سيتمكن من إجباره على إنهاء الحرب؛ إذ سيظل القرار النهائي مرتبطًا بحسابات البيت الأبيض، وتكلفة استمرار المواجهة، ومدى قدرة الضغط العسكري والاقتصادي على دفع إيران إلى تسوية.

قد يهمك