بث تجريبي

من قصف المعاشيق إلى الهجمات داخل السعودية.. كيف تتسع الحرب في اليمن؟

دخلت مدينة عدن اليمنية دائرة التصعيد العسكري بصورة مباشرة، بعدما استهدف الحوثيون قصر المعاشيق الرئاسي بخمسة صواريخ، في ثاني هجوم كبير على المدينة خلال ثمانية أيام، عقب قصف مطار عدن الدولي بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة.

ويتزامن التصعيد في عدن مع اتساع المواجهات على جبهات تعز ومأرب والساحل الغربي، إلى جانب سلسلة هجمات شنها الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة على مطارات ومنشآت نفطية ومدنية داخل السعودية. ويعكس ذلك انتقال المواجهة من خطوط التماس داخل اليمن إلى مقرات قيادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وكذلك إلى مناطق داخل السعودية، الداعم الرئيسي للحكومة.

خمسة صواريخ تستهدف قصر المعاشيق

أعلنت الحكومة اليمنية أن الهجوم على مجمع المعاشيق في عدن أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة 16 آخرين من الحراس والموظفين المدنيين، فيما نجا رئيس الوزراء شائع الزنداني وأعضاء الحكومة الموجودون داخل المجمع.

ونقلت وكالة فرانس برس عن وزير يمني، طلب عدم الكشف عن هويته، أن ثلاثة صواريخ أصابت مقرًا لقوات «درع الوطن» المدعومة من السعودية، بينما استهدف صاروخان مقرًا للقوات التي تقودها السعودية داخل المجمع الرئاسي.

وأشار المسؤول إلى سقوط قتلى وجرحى من اليمنيين والسعوديين، من دون تحديد أعدادهم. وفي حصيلة رسمية لاحقة، أعلن وزير الصحة اليمني قاسم بحيبح مقتل خمسة أشخاص وإصابة 16 آخرين.

وقال شهود في عدن إنهم سمعوا سلسلة من الانفجارات القوية، وشاهدوا أعمدة الدخان تتصاعد من منطقة المعاشيق، التي تضم مقر الحكومة اليمنية ومقار أمنية وعسكرية.

ووصف رئيس الوزراء اليمني الهجوم بأنه استمرار لاستهداف الحوثيين للمواقع المدنية، فيما أكدت الحكومة أن رئيس الوزراء والوزراء واصلوا عملهم ولم يتعرضوا لأذى.

في المقابل، أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، أن الجماعة قصفت ما وصفه بـ«مقر العمليات الحربية السعودي في عدن».

وأضاف أن الحوثيين يعتبرون أي وجود عسكري سعودي هدفًا لهم، بينما قالت وسائل إعلام تابعة للجماعة إن الهجوم استهدف مقرًا يديره ضباط سعوديون ومخازن أسلحة داخل المعاشيق. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الادعاءات.

في 7 أكتوبر، استهدف الحوثيون مطار عدن الدولي بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة مفخخة. وقالت وزارة النقل اليمنية إن أحد الصواريخ سقط بالقرب من المدرج قبل دقائق من موعد هبوط رحلة قادمة من القاهرة.

ويُعد المطار البوابة الجوية الدولية الرئيسية للمناطق الخاضعة للحكومة اليمنية. وجاء استهدافه بالتزامن مع بدء القوات الحكومية، بدعم جوي سعودي، هجومًا مضادًا لاستعادة مناطق خسرتها على الساحل الغربي وبالقرب من مضيق باب المندب.

وبذلك، انتقلت الهجمات خلال ثمانية أيام من المطار، الذي يمثل البوابة الجوية الرئيسية لعدن، إلى مقر الحكومة وقياداتها العسكرية والأمنية.

وتكتسب هذه التطورات أهميتها في ضوء التحركات الميدانية شمال عدن وغربها. فقد قالت الأمم المتحدة إن الحوثيين تقدموا خلال الأسابيع الماضية على الساحل المطل على البحر الأحمر، ووصلوا إلى مناطق في المخا ومحيط باب المندب.

وامتدت المعارك أيضًا إلى المرتفعات الواقعة غرب مدينة تعز وجنوبها، وإلى محافظة لحج، قبل أن تبدأ الحكومة هجومًا مضادًا لاستعادة مناطق حول المضيق.

وفي اليوم نفسه الذي تعرض فيه قصر المعاشيق للقصف، قالت قوات «درع الوطن» و«العمالقة» إنها تواجه هجومًا حوثيًا في منطقة ذباب على الساحل الغربي، فيما أطلقت الجماعة عدة صواريخ باليستية باتجاه مأرب.

لماذا أصبحت عدن هدفًا للحوثيين الآن؟

جعل اتساع المعارك باتجاه تعز ولحج وباب المندب مدينة عدن أقرب إلى مسرح العمليات العسكرية، مقارنة بفترة التهدئة التي شهدتها البلاد خلال السنوات السابقة.

ولا تقتصر أهمية عدن على كونها العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية، بل تمثل مركزًا للقرار السياسي وقاعدة خلفية للقوات الحكومية، كما تضم مقار قيادات وتشكيلات عسكرية تتلقى دعمًا سعوديًا، فضلًا عن كونها منفذًا جويًا وبحريًا رئيسيًا للمناطق غير الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وقال المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، إن البلاد عادت إلى «حرب واسعة النطاق»، مع انتشار القتال على جبهات متعددة، من الساحل الغربي وتعز ولحج إلى مأرب والجوف وحجة.

من جانبه، قال رئيس الوزراء اليمني السابق معين عبدالملك، الذي يعمل حاليًا مستشارًا لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، لصحيفة «الغارديان»، إن خسارة تعز ستفتح الطريق باتجاه باب المندب وعدن.

وأضاف أن المعلومات المتوافرة لدى الحكومة تشير إلى محاولات حوثية للتقدم نحو مناطق في جنوب اليمن، بينها لحج، وصولًا إلى عدن.

وتمنح تصريحات المتحدث العسكري للحوثيين بشأن قصف المعاشيق بُعدًا إضافيًا للتصعيد، إذ تربط الجماعة صراحة بين المواقع المستهدفة في عدن والدور العسكري السعودي والقوات التي تقاتلها على الجبهات.

وبهذا، يتزامن استهداف مركز القيادة الخلفي للحملة الحكومية مع استمرار الهجمات على القوات الحكومية في ساحات القتال.

من عدن إلى الرياض.. توسيع نطاق الضغط على السعودية

لا ينفصل التصعيد في عدن عن الهجمات التي تستهدف مواقع داخل السعودية. فبحسب وزارة الدفاع السعودية، استهدف الحوثيون مطار الملك خالد الدولي في الرياض 20 مرة منذ بداية أكتوبر، وأسفرت الهجمات عن مقتل 17 شخصًا وإصابة 333 آخرين. كما أدت هجمات على مطار أبها إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 28 آخرين.

وامتدت الضربات إلى منشآت تابعة لشركة أرامكو ومواقع نفطية ومطارات وقواعد عسكرية. كذلك حذر الحوثيون شركات الطيران من استخدام المطارات السعودية، باستثناء المجال الجوي فوق مكة والمدينة، وفقًا لما أعلنته الجماعة.

ونقلت رويترز عن مصادر سعودية وإقليمية ومحللين أن الحوثيين يسعون من خلال هذه الهجمات إلى زيادة كلفة التدخل السعودي في اليمن، ودفع الرياض إلى وقف عملياتها العسكرية والتخلي عن دعم الهجوم الذي تشنه القوات الحكومية.

وقال المتحدث باسم الحوثيين، محمد عبدالسلام، لرويترز إن مطالب الجماعة تشمل وقف العمليات السعودية، ورفع القيود المفروضة على الموانئ والمطارات، ودفع رواتب موظفي الدولة. ونفى أن تكون الهجمات تُنفذ بطلب من إيران.

في المقابل، اتهمت السعودية إيران بتشجيع التصعيد وتسليح الحوثيين وتدريبهم. وقال نائب وزير الخارجية السعودي للدبلوماسية العامة، رائد كرملي، إن الرياض عرضت في يوليو عقد لقاء مع الحوثيين في مسقط، لكنهم رفضوا العرض، مؤكدًا أن المملكة ترى أن التصعيد الحالي يحظى بدعم من طهران.

مأرب وتعز.. اتساع رقعة الحرب

بالتزامن مع قصف عدن، أطلق الحوثيون صواريخ باليستية باتجاه مأرب، بينما استمرت المعارك في غرب تعز وجنوبها.

وقالت الأمم المتحدة إن الهجوم الحوثي الأخير على الساحل والقتال في محيط تعز أديا إلى قطع المساعدات عن مئات الآلاف من الأشخاص. وذكرت رويترز أن نحو 800 ألف شخص تضرر وصولهم إلى المساعدات، وأن أكثر من 200 ألف شخص نزحوا خلال موجة القتال الأخيرة.

وعادت تعز إلى قلب المواجهات بعد تقدم الحوثيين في مناطق الساحل الغربي وسيطرتهم على مواقع استراتيجية خلال سبتمبر، قبل أن تبدأ القوات الحكومية هجومًا مضادًا بدعم جوي سعودي.

ووفقًا للأمم المتحدة، امتد القتال من المناطق المطلة على باب المندب إلى المرتفعات الواقعة غرب تعز وجنوبها، ثم إلى محافظة لحج، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جبهات مأرب والجوف وحجة، وتصاعد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة داخل السعودية.

ويشير استهداف قصر المعاشيق، بعد قصف مطار عدن، إلى اتساع نطاق المواجهة لتشمل مراكز القيادة الحكومية ومواقعها الحيوية، في وقت تتزامن فيه الضغوط العسكرية على الأرض مع هجمات الحوثيين داخل السعودية، ما يزيد من تعقيد المشهد العسكري والسياسي في اليمن.

قد يهمك