بث تجريبي

3 ملفات ثقيلة تربك فرنسا.. من أزمة المدارس إلى الموازنة والرئاسة

تواجه فرنسا أسبوعًا سياسيًا مثقلًا باحتجاجات طلابية واسعة، وموازنة تقشفية تبحث لها الحكومة عن أصوات في برلمان منقسم، فيما تقترب البلاد من انتخابات رئاسية مقررة في أبريل/نيسان ومايو/أيار 2027 ستنهي ولاية إيمانويل ماكرون الثانية وتفتح سباقًا تتصدره حاليًا زعيمة التجمع الوطني مارين لوبان.

واحتفظت الحركة الطلابية بزخمها السياسي رغم انخفاض النشاط في الشوارع خلال عطلة نهاية الأسبوع، وهو تراجع يرتبط بإغلاق المدارس أكثر من مسار الاحتجاج نفسه، إذ يستعد طلاب المدارس الثانوية للعودة إلى التحرك الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع دعوات من نقابات تعليمية إلى الإضراب ومشاركة العاملين في قطاع التعليم. 

وكان الأسبوع الماضي شهد إغلاق مئات المدارس واشتباكات مع الشرطة واعتقالات واسعة على خلفية نقص المدرسين والاكتظاظ وتراجع الموارد التعليمية.

المدارس تعيد الأزمة الاجتماعية إلى الواجهة

وتفيد معلومات من مصدر نيابي في الحزب الاشتراكي الفرنسي بأن نواب الحزب سيطرحون خلال دراسة موازنة 2027 تعديلات تتعلق بتمويل المدارس الثانوية، وتعويض ساعات التدريس المفقودة بسبب غياب المدرسين، وحماية اعتمادات السلطات المحلية المسؤولة عن جزء من الخدمات التعليمية، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالقدرة الشرائية للأسر.

وبحسب المصدر، يعمل رئيس الكتلة الاشتراكية في الجمعية الوطنية بوريس فالو مع أعضاء لجنة المالية على تحديد المواد التي ستطرح للتعديل فور بدء الفحص البرلماني للموازنة، فيما أبلغ الحزب مكتب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بأن موقفه النهائي سيتحدد وفق التغييرات التي ستدخل على النسخة الحكومية قبل التصويت.

ويتولى لوكورنو رئاسة الحكومة منذ 2025، ويعمل من دون أكثرية مستقرة في الجمعية الوطنية بعد الانتخابات التشريعية المبكرة التي دعا إليها ماكرون في 2024، ما يجعل تمرير الموازنة مرتبطًا كل عام بتفاهمات مع كتل خارج المعسكر الرئاسي أو باستخدام أدوات دستورية تعرض الحكومة لاحتمال حجب الثقة.

وتجمع الاحتجاجات الحالية بين أزمة قطاعية وأزمة أوسع في الثقة بالخدمات العامة، إذ جاء انفجار الغضب المدرسي بالتزامن مع مشروع موازنة 2027 الذي قدمته الحكومة في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، ويجمع بين خفض الإنفاق وزيادات ضريبية بهدف تقليص العجز، بينما بلغت كلفة اقتراض فرنسا لعشر سنوات أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين وبلغ الدين العام نحو 119% من الناتج.

الموازنة تحاصر حكومة بلا أكثرية

وأرسل قادة الحزب الاشتراكي في 2 أكتوبر/تشرين الأول رسالة علنية إلى لوكورنو طالبوا فيها بتعديل مشروع الموازنة "من دون تأخير"، وركزوا على العدالة الضريبية والقدرة الشرائية، بعدما ساهم موقف الاشتراكيين سابقًا في بقاء حكومة لوكورنو وتمرير ترتيبات موازنة 2026.

وتمنح هذه المعادلة الاشتراكيين وزنًا أكبر من حجمهم العددي، لأن الحكومة تحتاج إلى تجنب تجمع أصوات كافية لإسقاطها، فيما يستطيع التجمع الوطني واليسار استخدام الموازنة لزيادة الضغط السياسي قبل انتخابات الرئاسة المقبلة.

ويضع ذلك لوكورنو أمام مهمة مزدوجة تتمثل في إقناع الأسواق بقدرة الدولة على ضبط الدَين، وتأمين كتلة برلمانية تسمح للموازنة بالعبور من الجمعية الوطنية.

وترى الصحفية الفرنسية أودري فيتاز، أن قوة الاحتجاجات الطلابية ترتبط بكونها خرجت من قضايا ملموسة يعرفها الطلاب وأسرهم مباشرة، مثل غياب المدرسين والاكتظاظ وظروف المدارس، وهو ما يمنحها قدرة على التواصل مع غضب اجتماعي أوسع حول مستوى الخدمات العامة.

وتشير فيتاز إلى أن الموازنة ستحدد جانبًا كبيرًا من المزاج السياسي خلال الأسابيع المقبلة، لأن أحزاب المعارضة ستربط بنود الإنفاق والضرائب بحصيلة سنوات ماكرون، فيما تحاول الحكومة حماية صورتها الاقتصادية قبل بداية الحملة الرئاسية الفعلية.

لوبان تحصد تآكل الوسط

وتستفيد مارين لوبان، الزعيمة التاريخية لحزب التجمع الوطني اليميني القومي ومرشحته المعلنة للرئاسة، من هذا المناخ مع تصدرها استطلاعات الجولة الأولى بنحو 31 إلى 34%، متقدمة بفارق واسع على أبرز الأسماء المطروحة من اليمين والوسط واليسار.

وأصبحت انتخابات 2027 مفتوحة بصورة أكبر لأن ماكرون أكمل ولايتين متتاليتين ولا يستطيع الترشح لولاية ثالثة متصلة.

وتحاول لوبان توسيع صورتها من زعيمة احتجاجية إلى مرشحة قادرة على إدارة المالية العامة، إذ اقترحت مطلع أكتوبر/تشرين الأول قاعدة دستورية ملزمة لخفض العجز، في توقيت تتابع فيه الأسواق الفرنسية مستويات الدَين وكلفة الاقتراض بقلق متزايد.

ويختصر المشهد الفرنسي الحالي ثلاثة ضغوط تتغذى من مصدر واحد هو تراجع الثقة في قدرة النظام السياسي على إنتاج حلول مستقرة، حيث تشتعل احتجاجات اجتماعية تستعد لجولة جديدة، بالإضافة إلى موازنة تحتاج إلى أصوات من خارج الحكومة، وانتخابات رئاسية تمنح التجمع الوطني موقعًا متقدمًا، ما يجعل الأيام المقبلة اختبارًا لقدرة المؤسسات الفرنسية على إدارة أزمة مالية واجتماعية وسياسية متزامنة.

قد يهمك